علي الأحمدي الميانجي

36

شرح دعاء أبي حمزة الثمالي

محدِثاً ، وأنّ العالم بما له من وجود لا بدّ له من موجد ، وبما فيه من النظم الباهر والحكمة اللطيفة ، لا بدّ وأن يكون الموجد عالماً وحكيماً وقادراً ولطيفاً ، وهذا الطريق هو الذي هدانا إليه القرآن الكريم في معرفته تعالى وأمرنا بالتدبّر في آياته وبيّناته في خلقه من السماء والأرض . وإن شئت فقل : ألهمنا اللَّه عزّ وجلّ التدبّر في أنفسنا ، وفي هذا العالم من السماء والأرض وأنّا مصنوعون ومقهورون ومدبّرون ، فلا بدّ لنا من مدبّر وصانع ، وأنّ فيها النظم الباهر فهو حكيم قادر لطيف . ويمكن أن يقال : إنّ اللَّه سبحانه فطر الإنسان على معرفته ، فهو يعرف أنّ له ربّاً وخالقاً ، كما يعرف أنّه جائع وأنّه شبعان ، ولأجل ذلك نرى الإنسان لا يشكّ أنّ له خالقاً وصانعاً ، قال سبحانه وتعالى : « أَ فِي اللَّهِ شَكٌّ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ » ، « 1 » وقال سبحانه : « وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ » ، « 2 » وإنّما كان شركهم في الربوبية ، ولأجل ذلك نجد في تاريخ حياة الإنسان على ما وصل إليه معرفة المحقّقين معبداً ومذبحاً . « 3 » الحديث هنا يبيّن معنىً لطيفاً ( نقلناه بالمعنى ) ، وهو أنّ الطفل إذا بكى يدعو اللَّه تعالى ، بل في الحديث أنّ الحيوان البهم البالغ في البهمة يعرف أنّ له خالقاً ، « 4 » وإلى هذا المعنى يشير بأنّ : « كلّ مولود يولد على الفطرة ثمّ أبواه يهوّدانه وينصّرانه ويمجّسانه » ، « 5 » ولعلّه المراد من قوله تعالى : « أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى » . « 6 » وقد يحجبنا عن المعرفة الفطرية ما نرتكب من المعاصي ونتّبع من الأهواء ، قال تعالى : « . . . وَجاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ * فَلَمَّا أَنْجاهُمْ إِذا هُمْ يَبْغُونَ فِي

--> ( 1 ) . إبراهيم : 10 . ( 2 ) . لقمان : 25 ، والزمر : 38 ، والزخرف : 9 . ( 3 ) . انظر : التوحيد : ص 331 ح 10 ، الكافي : ج 6 ص 52 ح 5 . ( 4 ) . انظر : الكافي : ج 6 ص 539 ح 11 . ( 5 ) . انظر : الكافي : ج 6 ص 14 ، التوحيد : ص 330 ، شرح الأخبار : ج 1 ص 190 ، الاحتجاج : ج 2 ص 176 ، بحارالأنوار : ج 58 ص 187 . ( 6 ) . طه : 50 .